ابراهيم بن محمد البيهقي
251
المحاسن والمساوئ
محاسن المواعظ قال : وحكي عن الأوزاعي قال : بعث إليّ المنصور فقال : لم تبطئ عنّا ؟ قلت : وما تريد منّا ؟ قال : لآخذ عنكم وأقتبس منكم . فقلت له : مهلا فإن عروة بن رويم أخبرني أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر اللّه له ذلك ، ومن جاءته فلم يقبلها كانت حجّة عليه يوم القيامة » ، مهلا فإنّ مثلك لا ينبغي له أن ينام . إنّما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم بالرعيّة يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردّون الضالّة فكيف من يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم ! أعيذك باللّه أن تقول إن قرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تدعوك إلى الجنّة ، إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل عليه جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا محمّد إن اللّه تبارك وتعالى لم يبعثك جبّارا مؤيسا مقنّطا تكسر قرون أمّتك ، ألق الجريدة عن يدك ، فدعا الأعرابيّ إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين ؟ إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى من هو خير منك إلى داود عليه السلام : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ سورة ص : 26 ] ، وأوحى إليه : يا داود إذا أتاك الخصمان فلا يكونن لأحدهما على صاحبه الفضل فأمحوك من ديوان نبوّتي . اعلم أن ثوبا من ثياب أهل النار لو علّق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه ، فكيف بمن تقمّصه ؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنّم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة ، فكيف بمن تقلدها ؟ قال : ودخل عمرو بن عبيد « 1 » على المنصور فقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللّه عزّ وجلّ يقفك ويسائلك عن مثقال ذرّة من الخير والشرّ ، وإنّ الأمّة خصماؤك يوم القيامة ، وإنّ اللّه جل وعزّ لا يرضى منك إلّا بما ترضاه لنفسك ، ألا وإنّك لا ترضى لنفسك إلّا بأن يعدل عليك وإنّ اللّه جلّ وعزّ لا يرضى منك إلّا بأن تعدل على الرعيّة . يا أمير المؤمنين ، إن وراء بابك نيرانا تتأجّج من الجور ، واللّه ما يحكم وراء بابك بكتاب اللّه ولا بسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : فبكى المنصور . فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور : يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين ! فقال عمرو : يا أمير المؤمنين من هذا ؟ قال : أخوك سليمان بن مجالد . قال عمرو : ويلك يا سليمان ! إن أمير المؤمنين يموت وإنّ كلّ ما تراه ينفد وإنّك جيفة غدا بالفناء لا ينفعك إلّا عمل صالح قدّمته ، ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت
--> ( 1 ) عمرو بن عبيد التيمي بالولاء شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها وأحد الزهاد المشهورين توفي سنة ( 144 ه ) .